رئيس التحرير

محمد ونس

694

عبد الباسط عبد الصمد: “صوت مكة” الذي صدح بالقرآن في العالم كله

سفير القرآن.. صوت مكة.. الحنجرة الذهبية”.. ألقاب حظي بها الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، لشعبته العريضة ولجمال صوته وأسلوبه الفريد في تلاوة القرآن الكريم، الذي أهله للتربع على عرش “التلاوة” لما يقرب من نصف قرن.

تجلت موهبة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، الذي لد عام 1927، وهو في السادسة من عمره، حينما أرسله والده إلى كتاب الشيخ الأمير بأرمنت بمحافظة قنا، ليلحق بشقيقيه محمود وعبد الحميد، ولاحظ الشيخ على تلميذه “عبد الباسط” أنه يتميز بجملةٍ من المواهب والنبوغ تتمثل في سرعة استيعابه لما أخذه من القرآن وشدة انتباهه ودقة التحكم في مخارج الألفاظ والوقف والابتداء وعذوبة في الصوت تشنف الآذان بالسماع والاستماع.

وحينما بلغ العاشرة من عمره أتم حفظ القرآن فكان يتدفق على لسانه كالنهر الجاري، وطلب من جده الشيخ عبد الصمد، وكان من الحفظة المشهود لهم بالتمكن من حفظ القرآن وتجويده بالأحكام، أن يتعلم علم القراءات، فأشار عليه أن يذهب إلى مدينة طنطا بالوجه البحري ليتلقى علوم القرآن والقراءات على يد الشيخ (محمد سليم)، وبالرغم من بعد المسافة بين أرمنت إحدى مدن جنوب مصر وبين طنطا إحدى مدن الوجه البحري فقد أستعد للسفر، حيث كان الأمر متعلق برسم وصياغة مستقبله.
وقبل التوجه إلى طنطا بيومٍ واحدٍ علم بوصول الشيخ محمد سليم إلى (أرمنت) ليستقر بها مدرسًا للقراءات بالمعهد الديني، واستقبله أهل القرية أحسن استقبال، وأقاموا له جمعية للمحافظة على القرآن الكريم (بأصفون المطاعنة، فذهب إليه الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وراجع عليه القرآن كله، ثم حفظ الشاطبية التي هي المتن الخاص بعلم القراءات السبع).

بعد أن وصل الشيخ عبد الباسط الثانية عشرة من عمره، انهالت عليه الدعوات من كل مدن وقرى محافظة قنا وخاصة أصفون المطاعنة بمساعدة الشيخ محمد سليم الذي زكّى الشيخ عبد الباسط في كل مكان يذهب إليه.

دخوله الإذاعة المصرية:
مع نهاية عام 1951، طلب الشيخ الضباع من الشيخ عبد الباسط أن يتقدم إلى الإذاعة كقارئ بها ولكن الشيخ عبد الباسط أراد أن يؤجل هذا الموضوع نظراً لارتباطه بمسقط رأسه وأهله ولأن الإذاعة تحتاج إلى ترتيب خاص، ولكنه تقدم بالنهاية.
كان الشيخ الضباع قد حصل على تسجيل لتلاوة الشيخ عبد الباسط بالمولد الزينبي وقدم هذا التسجيل للجنة الإذاعة فانبهر الجميع بالأداء القوي العالي الرفيع المحكم المتمكن وتم اعتماد الشيخ عبد الباسط بالإذاعة عام 1951 ليكون أحد قرائها.
بسبب التحاقه بالإذاعة زاد الإقبال على شراء أجهزة الراديو وتضاعف إنتاجها وانتشرت بمعظم البيوت للاستماع إلى صوت الشيخ عبد الباسط، وكان الذي يمتلك (راديو) في منطقة أو قرية من القرى كان يقوم برفع صوت الراديو لأعلى درجة حتى يتمكن الجيران من سماع الشيخ عبد الباسط وهم بمنازلهم وخاصة كل يوم سبت على موجات البرنامج العام من الثامنة وحتى الثامنة والنصف مساءً.

زياراته العالمية:
وانهالت عليه الدعوات من شتى بقاع الدنيا في شهر رمضان وغير شهر رمضان؛ للاستمتاع بصوته العذب، وكان يحظى باستقبالاً رسمياً على المستوى القيادي والحكومي والشعبي.
السعودية.. كانت أول زيارة للشيخ عبد الباسط خارج مصر بعد التحاقه بالإذاعة عام 1952، زارها لأداء فريضة الحج ومعه والده، واعتبر السعوديون هذه الزيارة مهيأة من قبل الله فهي فرصة يجب أن تجنى منها الثمار، فطلبوا منه أن يسجل عدة تسجيلات للمملكة لتذاع عبر موجات الإذاعة، لم يتردد الشيخ عبد الباسط وقام بتسجيل عدة تلاوات للمملكة العربية السعودية أشهرها التي سجلت بالحرم المكي والمسجد النبوي الشريف، (لقب بعدها بصوت مكة).
وفي باكستان، استقبله الرئيس الباكستاني في أرض المطار وصافحه وهو ينزل من الطائرة، وفي جاكرتا بدولة اندونيسيا قرأ القرآن الكريم بأكبر مساجدها فامتلأت جنبات المسجد بالحاضرين وامتد المجلس خارج المسجد لمسافة كيلو متر مربع فامتلأ الميدان المقابل للمسجد بأكثر من ربع مليون مسلم يستمعون إليه وقوفا على الأقدام حتى مطلع الفجر.
في جنوب أفريقيا عندما علم المسؤولون بوصوله أرسلوا إليه فريق عمل إعلامي من رجال الصحافة والإذاعة والتليفزيون لإجراء لقاءات معه ومعرفة رأيه عما إذا كانت هناك تفرقة عنصرية أم لا من وجهة نظره، فكان أذكى منهم وأسند كل شيء إلى زميله وابن بلده ورفيق رحلته القارئ الشيخ أحمد الرزيقي الذي رد عليهم بكل لباقة وأنهى اللقاء بوعي ودبلوماسية.
من بين الدول التي زارها الهند لإحياء احتفال ديني كبير أقامه أحد الأغنياء المسلمين هناك، فوجئ الشيخ عبد الباسط بجميع الحاضرين يخلعون الأحذية ويقفون على الأرض وقد حنّوا رؤوسهم إلى أسفل ينظرون محل السجود وأعينهم تفيض من الدمع يبكون إلى أن انتهى من التلاوة وعيناه تذرفان الدمع تأثراً بهذا الموقف الخاشع.

المرض والوفاة:
أصيب بالتهاب كبدي قبل رحيله بأقل من شهر، فدخل المستشفى إلا أن صحته تدهورت ما دفع أبناءه والأطباء إلى نصحه بالسفر إلى الخارج ليعالج بلندن حيث مكث بها أسبوعاً وكان بصحبته ابنه طارق فطلب منه أن يعود به إلى مصر.
توفى يوم الأربعاء 30 نوفمبر1988، وكانت جنازته وطنية ورسمية على المستويين المحلي والعالمي، فحضر تشييع الجنازة كثير من سفراء دول العالم نيابة عن شعوبهم وملوك ورؤساء دولهم؛ تقديراً لدوره في مجال الدعوة بكافة أشكالها.

Comments

comments

Powered by Facebook Comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>